الدرس الأوّل: أساسيّات الترجمة
I- مقوّمات فعل الترجمة:
ليست الترجمة مجرّد نقل للمعنى من لسان إلى آخر بل هي نقل لمضمون ثقافي
وفكري وحضاري مخصوص إلى لسان آخر. ولذلك تعد الترجمة من أصعب الأفعال اللغويّة
التي يمكن أن يمارسها الإنسان. وحين نترجم إلى العربيّة نصوصا كتبت بلسان فرنسي
فإنّنا لا نقوم بعمليّة بسيطة إذ لسنا بصدد نقل نفس المعاني من لفظ لاتيني إلى لفظ
عربيّ، بل نحن بصدد الملاءمة بين لسانين وكل واحد منهما يرتبط بضرب خاصّ من
البلاغة والتركيب والأزمنة والمعجم إضافة إلى ما يحيط بكل لسان من ثقافة وتاريخ
وإرث حضاريّ. ورغم صعوبة الترجمة تبقى معيارا لتقدّم الشعوب وانفتاحها على الآخرين.
1- أنواع
الترجمة:
· الترجمة الأدبيّة:
رهان هذه الترجمة هو نقل النصّ من لسان إلى آخر مع
المحافظة على أعلى قدر من أدبيّته. ولذلك هي أصعب أنواع الترجمة وتتطلّب حذقا
للّسانين لأنّ أدبيّة النصّ تتحقّق أحيانا في أدقّ تفاصيل التعبير ومن الصعب أن
نقل ذلك من لسان إلى آخر لاختلاف طرائق الألسنة في بلاغة التعبير.
لنقرأ مثلا هذا النص الشعري للويس آراغون ونتأمّل كم
هو سهل المعنى عذب الإيقاع قويّ الانفعال ولكن هل يمكن أن ننقل كل ما فيه من
شعريّة عبر ترجمته إلى العربيّة؟
|
يدا إلزا أعطني يديك فأنا
حزين أعطني يدين حلمت
بهما طويلا لطالما حلمت
بهما في وحدتي أعطني يديك
حتى أنال خلاصي |
Les mains d'Elsa Donne-moi
tes mains pour l'inquiétude |
لا يمكن للنصّ المترجم إذن مهما كان دقيقا أن يترجم
شعريّة النصّ الأدبيّ وإيقاعه وهو
لا يقدر إلا على نقل المعاني بتقريب في لغة عربيّة فصيحة. ومع ذلك فإنّ الترجمة هي
السبيل الأهمّ لانتشار الأعمال الأدبيّة المتميّزة في مختلف أنحاء العالم رغم أنّ المترجمين
لا يستطيعون الحفاظ على بلاغة النصوص الأصليّة.
· الترجمة
العلميّة:
رهان هذه الترجمة هي نقل المعرفة من لسان إلى آخر بما فيها من محتوى علميّ (مصطلحات
ومفاهيم وأفكار وتحليلات وأمثلة ورسوم واستدلالات ونتائج علميّة). والمعتبر في مثل
هذه الترجمة هو الأمانة العلميّة ونقل كل ما تقتضيه التراكيب من آراء ووجهات نظر
علميّة عند الكاتب الأصليّ دون تحميله ما لم يقل:
|
Locuteur :
Le locuteur est le sujet parlant qui produit les énoncés, par opposition à
celui qui les reçois et y répond. (Dubois et al.,
Dictionnaire de Linguistique) |
|
المتكلّم: هو الذات المتكلّمة التي تنتج الأقوال،
مقابل من يتلقّاها ويردّ عليها. (ديبوا وآخرون، معجم اللسانيّات) |
هذا الضرب من الترجمة منتشر جدّا خصوصا عند الأمم المتقدّمة التي لا تغفل
كتابا علميّا مهمّا حتّى تترجمه إلى لسانها ليطّلع عليه الباحثون والمتعلّمون. لكن
صعوبة هذه الترجمة تكمن في فهم المحتوى العلمي فهما دقيقا والقدرة على نقل
المصطلحات والأمثلة والإحالات.
· الترجمة الحرفيّة:
هذا النوع من الترجمة هو الأقلّ جودة والأكثر انتشارا عند المبتدئين.
وسببها تتبّع معنى كلّ كلمة ونقل التركيب كما هو دون تفكير. وهي الترجمة التي
يجتنبها الترجمان الجيّد لأنّها ترجمة تقوم في أحيان كثيرة بمهمّة عكسيّة إذ تشوّه
النصّ الأصليّ وتخرج لنا نصّا مشوّها لا بيان ولا فصاحة فيه. وهذا شأن أكثر
المترجمين حيث يتتبّع المترجم المعاني في كلّ كلمة وينقلها إلى الكلمات والتراكيب
المقابلة لها في اللسان المترجم إليه دون تغيير أو اجتهاد. مثال ذلك "هذا
الأخير Ce dernier".
والترجمة الحرفيّة تغلب فيما يكتب على البضائع والمنتوجات فلا يكلّف المترجم نفسه
عناء الترجمة المناسبة للتراكيب ويكتفي بنقل معاني الألفاظ حرفيّا.
· الترجمة بالمعاني:
هي أفضل أنواع الترجمة إذا كانت تتبّع المعاني بدقّة ولا تغفل المعاني
الجزئيّة ولا تكتفي بالمعنى العام وتبحث عن العبارات المناسبة للمعنى في اللغة
المترجم إليها. فمثلا يمكن أن نترجم معاني هذه العبارات الفرنسيّة بالتعابير
العربيّة التالية دون سقوط في الترجمة الحرفيّة:
ما بعد الشدّة إلا الفرج Après la pluie, le beau
temps
لقد أثلج صدري Il m’a chauffé le cœur
المال قوام الأعمال L'argent est le nerf de la guerre
ومن الملاحظ أنّه في سياقات كثيرة يعمد المترجمون إلى فهم المعنى العام
المقصود من العبارة في النصّ الأصليّ ويترجمونها بإيجاز دون عناية بتفاصيل
التعبير. لذلك ينبغي أن ننتبه إلى أن الترجمة بالمعنى لا ينبغي أن تتحوّل إلى
اختزال للمعاني والتراكيب فحين نترجم مثلا قولا فيه كثير من الجمل التي تدلّ على
معنى التشجيع لا ينبغي أن نختزل تلك المعاني ولا ندقّق تف اصيلها:
|
النصّ الأصليّ |
« Sois
courageux ! Bats-toi
pour ce en quoi tu crois et fais de tes rêves ta
réalité » |
|
ترجمة مختزلة |
"أشجّعك كثيرا لتتجاوز محنتك" |
|
ترجمة دقيقة |
"كن شجاعا، وقاتل من أجل قناعاتك واجعل من
أحلامك حقيقة" |
فليس من الملائم أن نترجم القول السابق بعبارة مختزلة فنكتفي فيها بترجمة
المعنى العام دون اهتمام بجزئيّات المعنى ومحتوى ذلك التشجيع. بل الأفضل أن نترجمها كلّها ترجمة
دقيقة تفي بكل المعاني. وهذه الطريقة في الترجمة
ليست نقلا أمينا للمعاني. لكن هذا الأمر قد يكون مقبولا في الترجمة الفوريّة لأن
ذاكرة المترجم لا يمكن أن تستوعب كلّ ما ذكر من تفاصيل بسرعة فيلجأ المترجم
الفوريّ إلى الاختزال والتعميم. لكنّه أمر مخالف لقواعد الترجمة الدقيقة عند
التعامل مع الوثائق والنصوص فلنا من الوقت ما يسمح براجعة الترجمة وتوخّي الدقّة.
· الترجمة الفوريّة:
هي من أصعب أنواع الترجمة لأنّها تتطلّب سرعة البديهة عند الاستماع لمتحدّث
لإيجاد الترجمة المناسبة في وقت وجيز أثناء كلامه. ويوجد عدد قليل من المترجمين
الفوريين الذين يحذقون هذه الصناعة أثناء المؤتمرات الصحفيّة والمؤتمرات السياسيّة
الدوليّة. وبما أنّ المترجم الفوريّ لا يجد وقتا ليدقّق ترجمته ففي كثير من
الأحيان يلجأ إلى الترجمة بالمعنى العام ويحاول اجتناب الترجمة الحرفيّة التي تجعل
كلامه غامضا لكنّ قلّة من المترجمين الفورييّن ينجحون في تحقيق ذلك.
· الترجمة الآليّة:
يقوم بها الحاسوب بمجرّد أن ندخل إليه نصّا. حيث تتمّ برمجته ليلائم بين
تراكيب الألسنة ومفرداتها ومعانيها. ويقوم بالترجمة دون تدخّل الإنسان فتتمّ
الترجمة بشكل آليّ ولذلك لا يستطيع الحاسوب التفطّن لأخطاء الترجمة وتدقيقها
واختلاف سياقات الكلمة وتأويلها غير المتوقع بسبب المجاز واختلاف السياق. وهنا تقع
مدى دقّة الترجمة الآليّة على عاتق اللسانيّين فهم من يزوّد الحاسوبيّين بمعطيات
دقيقة عن التراكيب والمفردات ومعانيها في اللغة المترجم منها أو المترجم إليها حتى
لا تكون الترجمة حرفيّة. ورغم كل ما شهدته الترجمة الآليّة من تطوير إلا أنّها
تبقى ترجمة شبه حرفيّة تركّز على ترجمة معاني الكلمات في التراكيب ولا يمكنها أن
تتكهّن بكلّ المعاني التركيبيّة والتداوليّة. ولذلك فهي غير دقيقة غالبا وتحتاج
إلى المراجعة المعمّقة خاصّة في ترجمة الأدب والمصطلحات والعبارات المجازيّة.
ونضرب لذلك مثلا بعرض هذه العبارات العربيّة على موقع غوغل لنقلها إلى الفرنسيّة،
حيث يفشل الحاسوب في ترجمتها ترجمة أمينة وينقلها حرفيا:
ولهذا
السبب لا يجدر بنا الاعتماد على الترجمة الآليّة اعتمادا مطلقا إلا بعد مراجعتها
وتدقيقها وهي قد تصلح فقط حين يتعلق الأمر بلغة نجهلها تماما حيث تضيء لنا بعض
جوانب المعنى.
2- صعوبات
الترجمة:
يقول المثل الإيطالي " traditore traduttore"
(Traduire, c’est trahir) وقد اقترح اللسانيّ صالح القرمادي
ترجمته بـ "الترجمان خائن خوّان" في مقدمته لكتاب جورج مونان “مفاتيح الألسنية” الذي ترجمه الطيّب البكّوش.
وهذا يعني أنّ الترجمة مهما بلغت من الإتقان فهي في النهاية خيانة للنصّ الأصليّ،
والخيانة هنا ليست بالمعنى الأخلاقيّ بل بمعنى العجز عن نقل المعنى الأصليّ من
لسان إلى لسان نقلا أمينا.
لكنّ هناك أسبابا أخرى يمكن اجتنابها وهي تساهم في الوقوع في هذه
"الخيانة" والعجز عن نقل المعاني بأمانة:
· عدم التعرّف على معاني الكلمات ودلالة
التراكيب في اللغة الأصلية للنصّ.
·
عدم التفطّن إلى ارتباط
النص المترجم منه بجنس محدّد في الكتابة له خصائصه المتفرّدة.
· عدم فهم معاني النصّ الأصليّ فهما
دقيقا لارتباط معاني النصّ بدلالات قابلة للتأويل.
· ارتباط النصّ بأبعاد مختلفة داخل النص وخارجه قد تخفى على
المترجم (معجمية/ صرفيّة/تركيبية/دلاليّة/ مقامية/ ثقافيّة/ تاريخيّة/ حضاريّة...)
· عدم الوعي بوجود اختلاف جوهري في طرق
التعبير بين الألسنة نحويّا وبلاغيّا فلكل لسان بلاغته وأساليبه وجماليّته وطريقته
في تأدية الأزمنة والتعريف والجمع والتذكير والتأنيث....
· المسألة الاصطلاحية: صعوبة الملاءمة
بين المصطلح في اللغة الأم واللغة المترجم إليها.
3- أساسيّات
الترجمة الجيّدة:
هناك مقاييس نعتمد عليها لكي نحكم على ترجمة ما بأنّها ترجمة مقبولة أو
جيّدة، ومن أهمّ هذه المقاييس:
· المحافظة على روح النصّ الأصليّ والالتزام
بطابعه الأجناسي.
· فهم الكلام باللسان المترجم منه فهما
جيّدا دون إخلال بالمقصود.
· حذق التعبير باللسان المترجم إليه
والتمكّن من اختيار التعبير المناسب للمعنى المناسب.
· حسن اختيار المصطلحات المترجمة
(العرفان/الإدراك/المعرفة Cognition)
· غياب أثر النصّ الأصليّ من النص
النهائيّ فيشعر القارئ بأنّه كلام عربيّ، ولا يتفطّن إلى أنّه معرّب.
4- أخطاء
شائعة في أعمال الترجمة ينبغي اجتنابها:
من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها المترجمون يمكن أن
نذكر الأخطاء التالية:
· عدم مراعاة
بلاغة النصّ الأصليّ وسياقات إنشائه وسوء تأويل معانيه المقصودة.
· الترجمة
الحرفيّة للتراكيب كما هي دون مراعاة فوارق البلاغة والتعبير بين الألسنة.
· ترجمة المصطلحات
دون الرجوع إلى ما رسخ من ترجمات علميّة مشهورة للمصطلحات.
· استخدام المعاجم
ثنائيّة اللغة فهي تؤدّي إلى الترجمة الحرفيّة واختزال الترجمة في معاني الكلمات
فقط.
· الترجمة
التقريبيّة لعموم المعنى واختصار التركيب الطويلة في عبارة موجزة غير أمينة.
· عدم مراجعة
تعابير النصّ النهائيّ والاكتفاء بالترجمة الحرفيّة أو الآليّة أو النصّ الأوّليّ.
· بقاء أثر اللغة
الأصليّة للنصّ الأصليّ في النصّ المترجم.
5- أدوات
الترجمة:
لكي ننجز ترجمة جيّدة نقترح اتّباع الخطوات التالية:
· قراءة النص الأصليّ قراءات متعدّدة،
لفهم فكرته الأساسيّة وتحديد سياقاته العامّة (ما موضوعه؟ من كتبه؟ ضمن أيّ نمط من
الكتابة كُتب؟ ما الهدف من كتابته؟ ما هي النزعة الغالبة على النصّ: مدح، ذمّ،
وصف، حوار، استدلال...؟)
· استخراج الكلمات الصعبة التي تحول دون
فهم دقيق للنّص والتدقيق في أسماء الأعلام أو التواريخ التي قد تجعلنا نفهم النصّ
بدقّة. ويمكن أن نستخدم لتحقيق ذلك المعاجم العامّة ذات اللغة الواحدة بدلا من
المعاجم ثنائيّة اللغة أو نستخدم معجم المترادفات في اللغة المترجم منها.
· فهم التراكيب الجزئيّة في النصّ
المقترح للترجمة بتحديد مختلف المعاني الواردة فيها وتتبّع تسلسلها ومعانيها
التفصيليّة وطبيعة الأساليب البلاغيّة الطاغية عليها (مجاز، تشبيهات، حقيقة،
كناية).
· تقسيم النصّ إلى جمل ووحدات تركيبيّة
ودلاليّة كبرى وتتبّع منطق التدرّج الدلالي والتركيبي بينها وسياق قولها وأدوات
الربط التي تجمع بينها.
· نقوم بترجمة المعنى بكثير من التدبّر
والتروّي والتفكير فنتتبّع النصّ جملةً جملةً ونترجم كل جملة بالحرص على الملاءمة
بين دلالة التعابير الأساسيّة في النصّ الأجنبيّ والتعابير التي تؤدّي نفس المعنى
في اللغة العربيّة.
· الانتهاء من الترجمة الأوّليّة لكل
الجمل بصياغة النصّ الصفر (الصيغة الأوليّة للترجمة). وهي مجرّد ترجمة أوّليّة
قابلة للمراجعة ولا ينبغي الاكتفاء بها، فالدقّة لا تتحقّق دون مراجعة للنصّ
المترجم.
· مراجعة عبارات النصّ المترجم إليه
ومقارنته بمعاني النصّ الأصليّ وتجويد التعابير للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة للنصّ
المترجم حتى وإن غيّرنا الترجمة الأوّليّة بصفة جذريّة.
· اختبار جودة الترجمة بأن نقرأ النص
المترجم فلا تكتشف فيه آثار النصّ الأصليّ.
II- العربيّة
ورهان الترجمة:
1- تاريخ
العرب مع الترجمة:
-
عرف الإنسان الترجمة باكرا في عصور ما قبل التاريخ حيث توجد نقوش قبل 2000
سنة يرجح أنها مثلت أولى محاولات الترجمة التي عرفها الإنسان وقد تركت الحضارات في
المشرق ما يدل على أنها مارست فعل الترجمة خاصّة في الحضارة المصرية القديمة وفي
بلاد ما بين النهرين (العراق). أمّا قبل الإسلام فقد عرف كثير من العرب أكثر من
لسان منهم عديّ بن زيد العبادي الذي كان يحسن العربية والفارسية. وهو أول
من كتب بالعربية في ديوان كسرى وقد جعله ترجمانًا بينه وبين العرب. ولقيط بن معمر،
وكان كاتباً ومترجماً في قصر كسرى. وورقة بن نوفل الذي كان يتقن العبريّة. وكان النضر
بن الحارث بن كَلَدة ينقل شفويّا عن الفارسيّة التي يتقنها. لكنّ آثارهم لم تبق
لأنّها غالبا شفويّة.
وقد عرف العرب بعد
الإسلام الترجمة منذ عهد الرسول حيث كلّف زيد بن ثابت بتعلّم السريانية للردّ على
المراسلات. أمّا في زمن الدولة الأموية فقد تمت ترجمة الدواوين، واهتم بحركة
الترجمة الأمير خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ومن أشهر المترجمين يعقوب
الرهاوي وابن المقفّع (142هـ) الذي عاصر الأمويين والعباسيّين. لكنّ حركة الترجمة
بلغت مرحلة متطورة في عصر الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، الذي بنى لها
مؤسّسة بيت الحكمة ويروى أنه كان يمنح بعض المترجمين مثل حنين بن إسحق ما يساوي
وزن كتبه إلى العربية ذهبًا، ومن المعروف أن المأمون أسس دار الحكمة في بغداد بهدف
تنشيط عمل الترجمة، ومن المعروف أن حنين بن إسحق ترجم وألّف الكثير من الكتب وفي
علوم متعددة، وتابع ابنه إسحق بن حنين بن إسحق هذا العمل. وقد قام العرب بترجمة
علوم اليونان، وبعض الأعمال الأدبية الفارسية، فترجموا عن اليونانية علوم الطب
والفلك والرياضيات والموسيقى والفلسفة والنقد.
وفي القرن التاسع الميلادي، قام العرب بترجمة معظم مؤلفات أرسطو، ومؤلّفات
يونانيّة كثيرة، وساهمت هذه الترجمات في حفظ التراث اليوناني فقد ضاع أصلها
اليوناني فيما بعد، وأعيدت ترجمتها إلى اللغة اليونانية عن اللغة العربية ولولا
ذلك لضاعت تلك الأصول نهائيًا.
كان المترجمون (حنين بن اسحق العبادي وابنه إسحاق بن حنين وثابت بن قرة،
يوحنا بن البطريق، ابن الحمصي..) يتقنون اللغة العربية والسريانية واليونانية
والفارسيّة ويتقنون العلوم التي يترجمونها. ومن أشهر المترجمين المحترفين حنين بن
اسحق وكان يترجم النصوص بتتبّع المعنى ويجتنب الترجمة الحرفيّة. ولشدّة الولع
بالترجمة ظهرت أكثر من ترجمة لنفس الكتاب بحثا عن الدقّة (ترجم أبو بشر متى بن
يونس كتاب "الشعر" لأرسطو (384-322) ثم ترجمه مرة ثانية يحيى بن عدي).
وقدكانت بغداد على مدى 500 عام مركزا للعلوم والترجمات المهمّة خاصّة
المتعلّقة بالتراث السرياني واليوناني حتّى هجوم المغول عام 1258 حيث تم تدميرها
على يد هولاكو، وضاعت بسبب إحراق الكتب كنوز من نفائس المعرفة المنقولة والكتب
المؤلّفة. وكانت تلك النكبة نقطة نهاية لعصر ازدهار الترجمة العربيّة.
2- راهن الترجمة في
البلدان العربيّة:
لو نظرنا في الإحصائيّات حول ما ينشر من كتب مترجمة في العالم وقارنّا ذلك
بما يحدث في العالم العربيّ لاستخلصنا أنّ حركة الترجمة إلى العربيّة ومن العربيّة
تدلّ على واقع متأزّم:
|
إحصائيّات منظّمة اليونسكو لسنة
2018 حول حركة نشر الكتب والقراءة في العالم |
|
|
يترجم
العرب خمس ما تترجمه دولة اليونان سنويّا |
80 عربيا يقرؤون
كتابا واحدا ويقرأ الأروبيّ 35 كتابا سنويا |
|
ما ترجمه العرب منذ عصر المأمون يقارب10 آلاف
عنوان |
تترجم
إسبانيا كل سنة أكثر من 10 آلاف كتاب |
|
أقل من
كتاب مترجم لكل مليون عربي في السنة. |
519كتابا مترجما/مليون مجري و920 لكل مليون
إسباني. |
|
نشرت الدول العربيّة سنة 1992 ما يقارب 6500
كتابا |
أمريكا
الشماليّة 102ألف/أمريكا الجنوبيّة 42 ألف(1992م) |
|
معدّل
قراءة الفرد العربي: ربع صفحة سنويّا |
معدّل قراءة
الفرد الأمريكي: 11 كتابا سنويّا |
-
عدد ما يترجمه العرب سنويا رقم ضئيل جدا. فمثلا ما يترجم إلى اللغة
الاسبانية سنويا يفوق عدد الكتب التي ترجمت إلى العربية منذ عهد المأمون إلى
اليوم.
-
حركة الترجمة من اللغات الأخرى إلى العربية أكبر بكثير من حركة الترجمة من
العربية إلى اللغات الأخرى وهي حركة نقل من العربية شبه معدومة.
-
الترجمة مقياس للنهوض الحضاري وركودها يعني أننا شعب لا يقرأ ولا يهتم بما
يحدث وفيه طبقة واسعة من الناس خارج التاريخ ولا يهتمّون بما يحدث في العالم من
تطوّر علمي وثقافي، سواء عبر الترجمة أو بحذق الألسنة الأجنبيّة.
3-
آفاق الترجمة وما تطرحه من رهانات:
ليست الترجمة مجرّد
تمرين مدرسيّ ولا هي مجرّد نقل للنصوص الأدبيّة ليقرأها الناس في أوقات الفراغ بل
هي عمليّة ترتبط بآفاق مختلفة نذكر منها ما يخصّ فئة الباحثين الشباب:
·
الترجمة عمل علميّ يقدّم للشعوب فائدة كبيرة للتعرّف على ما يحدث من
تطوّرات علميّة وللتعرّف على التراث العلميّ الخالد.
·
ترجمة النصوص الأدبيّة والأفلام والوثائق يمكن أن يغدق عائدا ربحيّا على
المشتغلين بها.
·
حذق أكثر من لسان يمكّن الفرد من الاشتغال مترجما فوريّا في المؤتمرات
والملتقيات بعائد ربحيّ.
·
وضع قواعد متينة للترجمة عند المشتغلين بالعلوم الإنسانيّة نحوا وبلاغة
ومعجما يتيح للمبرمجين صناعة برامج الترجمة الآليّة بكفاءة.

عمل مهم وفقك الله اخي المنجي
ردحذف